لماذا تبخّرت الدولة في “السويداء”؟!!!..



-كثيرون هم الأصدقاء والأخوة والأبناء الذين يطرحون علينا السؤال الذي يمكن اختصاره بالتالي:
أين هي الدولة ممّا يحصل في “السويداء”؟!!..

-هذا سؤال مفصليٌّ وهامٌّ، وهو موجعٌ أيضاً، طالما أنّ هناك إعلاماً رسميّاً غائباً تماماً، وهو غير قادرٍ أبداً على مقاربة هذه المسألة، ممّا دفع المواطنين إلى الظنّ بضعف الدولة وضياعها، والوصول إلى الاعتقاد، بأنّ مجموعة من المنفلتين في شوارع “السويداء”، استطاعوا أن يشطبوا وجود الدولة في هذه المدينة، أو الوصول إلى الحسبان أنّ وجود الدولة أساساً هو وجودٌ ضعيفٌ في “السويداء”، للدرجة التي لم تستطع أجهزة الدولة من السيطرة على مجموعة من المنفلتين، في ساحة من ساحات المدينة؟!!..

-إنّ مؤسّسات الدولة الرئيسيّة، وتحديداً المؤسسات المسؤولة، كانت على اطلاع منذ سنوات ماضيّة، على أنّ “السويداء” تخضع لتجاذبات داخليّة – خارجيّة، جوهرها أنّ المحافظة كانت تدفع إلى فوضى تمنع الدولة من السيطرة عليها، ممّا جعل تلك المؤسسات تتصدّي لهذه الفوضى، بطريقة تمنع هذه الفوضى من تأمين أهداف القوى الخارجيّة التي طالما عوّلت على هذه الفوضى، وصولاً إلى تلك الاهداف!!..

-اشتغلت مؤسسات الدولة على المساهمة في تحييد هذه الفوضى، في رؤوسها وأهدافها الأساسيّة، والحيلولة دون سقوط المحافظة في براثينها سقوطاً كاملاً، ثمّ حماية أهل المحافظة من أن يتحوّلوا إلى حطب حريقٍ كبيرٍ، كانت تدفع باتجاهه هذه الفوضى، وهي صيغة اشتغال الدولة التي لم يستوعبها، أو يفهمها، كثيرٌ منّا ومن أهلنا في محافظة “السويداء”!!..

-لذلك كانت تعلو بعض الأصوات، من هنا وهناك، لاتهام الدولة بالتراخي، أو لاتهامها باللامبالاة، أو بالضعف والتردّد، وهذا في الواقع لم يكن أمراً دقيقاً، وإنّما هو في جوهره، كان من سمات نتائج الدور الذي لعبته الدولة، في مواجهة مشروع الفوضى الذي كان يريد سحق المحافظة وابتلاعها، ورميها في أتون فوضى عارمة، تتجاوز في رئيسياتها ما حصل في كثير من محافظات القطر!!..

-لذلك بقيت المحافظة آمنة مطمئنة في كثيرٍ من عناوينها ومراحلها، وكلّ ما حصل بها من تجاوزات خلال السنوات القليلة الماضية، كان يسيراً جدّاً قياساً بما كان يعدّ لها طيلة تلك السنوات!!..

-في الآونة الأخيرة، أو في المرحلة الأخيرة، كانت هناك معلوماتٌ خطيرةٌ جدّاً لدى مؤسسات الدولة المسؤولة، تفيد بأنّ هناك مخطّطاً خارجيّاً يشتدّ، أدواتُه بعض أبناء “السويداء””، وفي مقدمتهم أسماءٌ هامّة ومعروفة، وهو مخطّطٌ يرمي إلى الخروج على الدولة، والضغط عليها، أساسه استغلال الظروف المعيشيّة للسوريّين، وصولاً إلى صيغةٍ خاصّة بالمحافظة، تجعلها خارج سلطة الدولة!!..

-أدارت الدولة معركتها بكفاءة كبيرة، في مواجهة هذا العدوان، حيث أنّها طبّقت نظريّةً طالما اشتغلت عليها في مناطق أخرى، خلال سنوات العدوان الأخيرة على سوريّة، وبخاصّةٍ أنّ العدوان حاول أن يستعمل بعض المواطنين، كي يستفيد من ردّة فعل مؤسسات الدولة، في مواجهتها لهؤلاء المواطنين، ليبني على ردّة الفعل تلك، خطواته ومراحله التالية، وصولاً إلى أهدافه في عزل المحافظة عن سلطة الدولة!!..

-وهي نظرية “الصمت والتظهير”، حيث أنّ مؤسسات الدولة المسؤولة، لم تعطِ الفرصة للطرف الآخر، بأن يستثمر في ردّة فعل الدولة، أو حتّى في حضور الدولة..
كيف كان ذلك؟!!..
بغياب الدولة الكامل، وانكماش جميع مؤسساتها نحو الداخل، وترك “حَراك” الناس يكون حرّاً، بشكلٍ ظاهريّ، وصولاً إلى أن يظهر على حقيقته، دون إعطائه ذريعة انتقاله من حالة إلى أخرى، أو دون إعطائه فرصة اتهامه الدولة، وهو الاتهام الذي سوف يشغل الناس عن جوهر أهداف “الحَراك” الرئيسيّة!!..

-تشير المعلومات أنّ أسماء معروفة في “السويداء” كانت على اطلاع كاملٍ بذلك، وهي كانت تنتظر أخطاء الدولة في مواجهة “الحَراك”، وكانت ترتّب المراحل التي سوف تنتقل إليها تتالياً، بالتنسيق مع أجهزة وقوى خارجيّة، وهي مراحل مرتبطة بالأخطاء التي سوف تقع بها مؤسسات الدولة في المحافظة، حيث كانت الخطة تقوم على الآتي:

-يبدأ “حَراك المواطنين” في مدينة “السويداا..ء”، بمطالب معيشة جامعة، يتعاطف معها جميع السوريين!!..

-تتدخّل الدولة لقمع هذا “الحَراك”، فتُعطيه الذريعة بتحويل شعاراته ومطالبه، من معيشيّة إلى سياسيّة!!..

-تتدحرج المواجهة في وسط خضمّ إعلامٍ مدروس، فيعلو الشعار السياسيّ لإخراج سلطة الدولة من المحافظة، من خلال التمترس وراء شعار طائفيٍّ يكون أساسيّاً ورئيسيّاً!!..

-كلّ ذلك وسط تعاطفٍ دوليٍّ، ومقارباتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ، وتداخلاتٍ طائفيّة داخليّة وخارجيّة، لن تمنع كثيراً من الأخوة من طائفة الموحدين الدروز، من التعاطف الكلّي، مع ما يحصل في جبل حوران!!..

-الدولة باتباعها هذه الاستراتيجية، أو هذه النظريّة، عرّت “الحَراك” تماماً، وكشفت ما يحاك لهذه المحافظة الباسلة، وفضحت الدور الذي أوكل إلى بعض الأسماء المعروفة في “السويداا..ء”، فهي لم تعطِهم ذريعة التصعيد، أو ذريعة الانتقال، من مرحلة إلى أخرى، وتركتهم وحيدين يخلعون جلدهم أمام أبناء الطائفة الكريمة أولاً، ثمّ أمامَ أبناء “السويداا..ء” ثانيّاً، واخيراً أمام السوريين والعالم أجمع!!..

-ولقد تجلّى ذلك بما يلي:

-عندما بدأ “الحَراك”، جميعنا كنّا إلى جانبه، فهو يعبّر عن ضائقة السوريين، والمطالب التي رفعها كانت تحاكي مطالب السوريين وأوجاعه!!..

-انتقال “الحَراك” ليرفع راية طائفية، لم يكن مبرّراً عند السوريين!!..

-انتقال “الحَراك” لرفع شعارات سياسيّة، لم يكن مبرّراً عند السوريين!!..

-انتقال “الحَراك” لمهاجمة مقرّات الأحزاب ومؤسسات الدولة، لم يكن مبرّراً عند السوريّين!!..

-انكشاف “الحَراك” من خلال تركيزه على أهداف سياسيّة، تتناقض مع المزاج الوطنيّ للسوريين:
-التأكيد على القرار 2254!!..
-التأكيد على أعلام وشعارات رُفعت في مطلع أحداث 2011م..
-التأكيد على الدور والتدخل الدولي في سوريّة..
-التأكيد على استباحة كلّ مواقع ومراكز الدولة وإغلاقها، ورفض أيّ حقّ للدولة في دفاعها عن هذه المؤسسات..
-التركيز على غياب الشعارات الوطنيّة الجامعة للسوريّين، وتحديداً من يتحمّل أساساً ضائقة عيش السورييّن، من احتلال “إsرائيليّ” وأمريكيٍّ وتركيٍّ!!..


-التأكيد على مطالب تتناقض وجوهر الحال الذي يعيشه السوريّون، من خلال التركيز على الدور الإيراني والروسي وحزب الله باعتباره احتلالاً!!..
-التأكيد على نديّة “الحَراك” للدولة، من خلال حقّه المطلق في استباحة المحافظة ومؤسساتها، والتلويح باستعمال السلاح في مواجهة الدولة!!..

-أمّا بالنسبة للاتصال الذي حصل، بين السيناتور الأمريكي “فرينش هيل”، وأحد مشايخ “السويداء”، فهو كان مرتّباً له أن يتمّ، بعد أوّل حادثة دمويّة، تحصل نتيجة ردّة فعل الدولة على “الحَراك”، كي تكون الخطوة الأولى العلنيّة، التي تركب الإدارة الأمريكيّة من خلالها أحداث “السويداء” علانيةً، لهذا كان هذا الاتصال صاعقة على الرأي العام للسوريّين!!..

-وهو اتصالٌ يحاكي بالضبط، الدور التاريخيّ الذي لعبه الأمريكيّ في مطلع أحداث عام 2011م، عندما زار السفير الأمريكيّ في دمشق أكثر من محافظة سوريّة، وكانت خاتمة ذلك، الزيارة التي قام بها هذا السفير، إلى مكتب “حسن عبد العظيم” في دمشق، والتي وسمت هذا “الحَراك” بوسمه الحقيقيّ!!..

-كلّ ما فعلته الدولة، لجهة “تبخّرها” تماماً من “السويداء”، وصمتها وهدوئها المطبق، كان أساسيّاً ورئيسيّاً في انكشاف حقيقة ما يعدّ لهذه المحافظة، وما يعدّ لأهلها، ويعدُّ لجميع السوريّين، وكان هامّاً في تعرية هذا المشروع، وهو ما سيفيد الدولة، في الانتقال إلى مرحلتها التالية، وصولاً إلى إسقاط هذا المشروع وهزيمة أدواته!!..

خالد العبّود..

زر الذهاب إلى الأعلى