أين مخيال السوريّين..
من الحرب عليهم؟!!..


-في المرحلة الأولى للعدوان علينا، وتحديداً في عام 2011م، كانت نسبة عالية من السوريّين، تؤمن برواية إعلام أطراف العدوان، وهي روايةٌ كانت جزءاً رئيسيّاً من مكنة العدوان وحربه علينا!!..

-لقد تبنى وآمن كثيرٌ من السوريّين، بهذه الرواية، وتعامل مع العدوان باعتباره حَراكاً ثوريّاً في وجه الأنظمة والحكومات العربيّة، واعتقد أنّه حراكٌ لن يسلم منه النظام السياسيّ في سوريّة..

-إنّ هذا الشعور، وهذه القراءة الناقصة، كلّفتا السّوريّين كثيراً من أمنهم واستقرارهم وحياتهم ومستقبلهم، حتى استدركوا هذه المشاعر، ثم استدركوا هذه القراءة!!..

-لم نستطع كمؤسّسات رسميّة، إعلاميّة وثقافيّة، أن نؤمّن للسوريّين روايةً قادرةً على دحر رواية أطراف العدوان، كذلك فقد تحوّلت النخب في معظمها، إلى حطبٍِ في مجمر حريق العدوان، بدلاً من أن تكون أداةً في صناعة وعي وطنيٍّ، يعرّي ويكشف أبعاد وأهداف وأسباب هذا العدوان!!..

-ونتيجة ذلك فقد كان وعي السوريّين الجمعيّ بهذه المرحلة، وعياً ناقصاً بها، ناقصاً بماهيّتها وحقيقتها، ليس لعدم قدرتهم على المعرفة، وإنّما نتيجة شدّة العدوان، والإمكانيات التي وضعت من أجل نجاحه!!..

-لهذا جاء الوجدان الجامع للسوريّين من هذه الحرب، وجداناً متناقضاً تناقضاً شديداً، ووجداناً ناقصاً وبسيطاً، وهو وجدانٌ حاكى يوميّات الحرب وتفاصيل لحظتها، وتشكّل على أساس هذه اللحظة، وأساس جغرافيا تواجد ومصالح المواطنين الضيّقة!!..

-إنّ أغلب السّوريّين عاشوا تفاصيل هذه الحرب الواسعة، بشكلٍ مجتزأ وخاصٍّ جدّاً، نتيجة اتّساع رقعة المعركة وتعدّد عناوينها، ونتيجة عموميّتها التي طالتهم جميعاً، وجميع مصالحهم الخاصّة..

-ونتيجة ذلك كلّه، فقد تحوّل وعيّ السوريّين بالحرب، إلى وعي خاصّ بها، وليس إلى وعي عامٍّ جامعٍ، فغاب وجدانهم الجامع أيضاً، حيث تراجع فيه الوطنيّ على حساب الذاتيّ، وهو ما جعل هذا الوجدان بعيداً عن موضوعيّة المرحلة وحقيقتها!!..

-كذلك نرى أنّ هذا الوجدان الخاصّ، لم يكن وجداناً ثابتاً، بمقدار ما كان وجداناً متغيّراً، نتيجة المتغيّرات التي كانت تؤثّر على قناعاتهم، هذه القناعات التي كانت تتغيّر، حول حقيقة الحرب وأبعادها وأسبابها، وهو الأمر الرئيسيّ الذي غيّب عندهم إمكانيّة التعبير عن وجدان ثابت تجاه ما حصل، أو يحصل!!..

-وهو ما ارتدّ على مخيال السوريّين المرتبط بصورة الحرب، ووقائعها، إذ أنّه لم يكن ثابتاً أيضاً، فهو سرعان ما بدا قلقاً وغير مستقرٍّ، وتحديداً في الجزئيّة التي انعكست في الثقافة والآداب والفنون..

-ففي مطلع العدوان ظهرت مجموعة من الكتابات والأغاني التي تتغنّى بأهداف وحيثيات وأبطال “الثورة”، لكنّها سرعان ما تراجعت وتلاشت وماتت، بدلاً من أن تتصاعد وتتّسع، بفرضيّة أنّ من كان يؤمن بهذه “الثورة” بقي مؤمناً بها!!..

-كذلك كانت غائبةً تماماً المادة الثقافيّة والفكريّة والفنيّة الموازية لرواية الدولة الرسميّة، حيث غابت الثقافة والآداب والفنون، ولم تعد مواكبة ليوميات الحرب وملحقاتها!!..

-ونتيجة ذلك غابت الفنون والآداب والثقافة الحاملة لوجدان جمعيّ سوريّ، يرصد مرحلةً هامّة من مراحل حياتهم الوطنيّة، فغاب الشعر وغابت الرواية وغابت القصّة، وغابت الأغنية والأهزوجة والعتابا والميجنة، وغاب الرسم والنحت والحفر، وغابت الدراما وغاب المسرح، غاب كلّ شيء يحاكي هذه المرحلة..

-وكلّ ما تابعناه ونتابعه من هذه الفنون، إنّما هو صناعة فرضتها سوق محدّدة، لم يكن لها علاقة بوجدان السوريّين، بمقدار ما لها علاقة بمصالحهم وحاجاتهم، والتي كانت، وما زالت، جزءاً من العدوان وتبعاته، وليست جزءاً من الردّ على العدوان أو إسقاطه!!..

خالد العبّود..

زر الذهاب إلى الأعلى