
كتب العزيز الغالي.. الصديق القديم: “محمد عبد الحميد”، تعليقاً على حسابي هذا، منذ فترة من الزمن، تحدّث فيه عن علاقته “بمحافظة درعا”، حيث درج وشبّ، وحيث قضى سنواتٍ من عمره في هذه المحافظة..
“محمد الغالي” كان ابناً لعائلة كريمة، كان أبوه مقاتلاً في إحدى قطعات الجيش العربي السوري على أكتاف مدينة “درعا”، درس معنا في مدارس المحافظة، ثم ضيّعتُه، لكنّ الحرب اللعينة ردّته بعد سنين فراق..
“محمد” كتب على حسابي معلّقاً كيف فاجأته الحربُ والأصدقاءُ، إنّه ابن جبال “اللاذقية”، يودّع “درعا” وداع مكسور حزين، ترك فيها جزء كبيراً من شغافه وقلبه، عاتباً على أصدقاء خذلوه، أو خذلوا ظنّه بهم، ملقياً تحيّة طافحة بحشرجات العتب والشوق..
مرّ محمد على كلّ سهول حوران، غارساً فيها شيئاً من شتلِ دمعه، ومرّ على كلّ تفاصيل فصولها ونمنمات حكايا أهلها، وعلى كلّ أسارير قمحها وشمسها وعنب الفرح فيها..
لكنّ “محمد” الغالي “يكذّب”، كما عادته حين كنّا هناك، يقول شيئاً ويتصرف عكسه، نسيَ أنّه لم يستطع أن يغادر “درعا”، ولا يمكن له أن يتركها، فجزؤه الكبير هناك، وسلال ضحكاته على درجِ “ثانوية البنين”، ومشمش بوحه ما زال هناك، بالقرب من طريق السدّ، ورجع صدى صوته حول دوّار “ساحة بصرى”..
هناك نحن يا “محمد”، هناك، أرواحنا لم تغادر السوق العتيق وساحة “قصر العدل”، حيث كان صوتنا أعلى من قاماتنا، وغاية خلاصنا وعقلنا كان مشدوداً، ولم يزل، لرائحة “سندويشة الفلافل” ذات الأقراص الخمسة!!..
يا “محمد” ساعدني كي أكون صادقاً، سبع سنوات وأنا ألوّذ رأسي عن تفاصيل روحي ورائحة القلب، سبع سنوات وأنا أعلق أنفاسي في خزانة ثيابي القديمة، سبع سنوات وأنا أراقص ملاك الموت، وهو يؤجّل لحظة اصطيادي، أنا أدرك سرّ هذا التأجيل، وهو لم يبح أو يعترف به، وأدرك أنّه يدرك أنّني أدركه، كلما باغتّه بابتسامتي ردّ عليّ بمثلها، نضحكُ معاً ونمضي..
كنت أتغابى أمامه كثيراً، وما زلتُ، يمرّ بي من حينٍ لآخر، يتلمّسني، فأضحكُ، نرقص معاً قليلاً ويمضي، كان يسألني بين رقصة وأخرى: أين هي؟، أجيبه: أنت أدرى، يضحك وأضحك، ويهمس: مصيرها أن تكون بين يديّ..
طبعاً هو يسألني عن الروح يا “محمد”، وهو لا يدري أنّ روحي التي يبحث عنها، كنت قد “شلحتها” هناك، حيث تركنا شغبنا الجميل وضحكنا، هناك، بعد “نزلة مؤسسة الكهرباء”، تماماً عند أوّل منعطف نحن اليمين باتجاه أوّل أحياء درعا “البلد”، وآخر الشوق المسفوح بالقرب من باب الجامع “العمري”!!..
“محمد الغالي” أنت لم تغادر قمح حوران، رغم كلّ الدمع الذي سفكته عليها، وأنا ما زلت أقلّب كلماتنا بين أشجار “سدّ درعا”، نمضي على إيقاع أحلامنا التي كانت مسقوفة ببرنامج اليوم التالي في مدرسة “ثانوية البنين بدرعا”، وأيّ الأساتذة سوف يغيب كي نعيد ترتيب حكايانا التي كنّا نعيدها ألف مرّة، وفي كل مرّة كنّا نعيدها فيها كنّا نُولدُ ألف مرّة يا “محمّد”..
دع أطفالك هناك يا “محمّد”، فهذه الأرض لهم، دعهم يعيدون هندسة عواطفهم على أرصفة شوارع “شمال الخط”، وصوت الباعة المنتشرين كيفما اتفق في “السوق الجديد” في “درعا المحطّة”، وبالقرب من نادي الضباط تحت شجرة نسيتها الحرب هناك واقفة، أو قل رفضت أن تنحني أمام إصرار “أوباما” على أنّ تكون “درعا” مسفوحةً بين “المحطّة” و”البلد” على إيقاع “شرقية” و”غربيّة”، تحاكي وقع أقدام بقايا جرذان الاستخبارات الذين حالوا أن يمنعوا الشمس عنها!!..
“محمد عبد الحميد” اسمك ما زال ساكناً دفء الأزقة بين “سكّة القطار” وأوّل “السوق الجديد”، في “درعا المحطة”، مع رفاق أنت ذكرت أسماءهم، اسماً اسماً، وأنا أخاف أن أعيدهم، اسماً اسماً، لأنّني أخشى أن يقع قلبي بين المارّة منهم، فلا أقوى بعدها أن أرى الباقين الذين غابوا غياب زوّار الفنادق، لم يكترثوا للمكان كثيراً، أو كأنّهم لم يكونوا في المكان بشكل صحيح، أو ربّما كانوا أفضل منّي ومنك، غير أنّ أوجاع الشوق ولفحة الوجع الشديد شرّدت أصواتهم وشرّدتهم، فما عاد المكان بالنسبة لهم أولوية، ربّما هم يبحثون عن أشلائهم في حرب الردّة على إيقاع الضياع الذي أعمى الكثير من عصافير بلادي..
ذكرتهم اسماً اسماً، وكنتُ أظنّ أنّك نسيت ما سال منّا من فرح فوق مقاعد الصف العاشر، أو كنت أظنّ أنّك كنت عابر سبيل لا يعنيه القلب كثيراً، بمقدار ما تعنيه حسابات المارّة دون قلب أصلاً، عذراً منك فإنّني نسيت من تكون، نسيت أنّك الممتدّ من شاطئ المتوسط حتى سماء جبال اللاذقية، نسيتُ أنّك موغلٌ من الغيرة والمواطنة وأنّك حفيد الشمس وسليلُ مسقط رأس الكبرياء..
لا تعتب على الرفاق كثيراً لعل غبار الحرب عمت أفئدتهم، وعندما ناديت عليهم لم يروك، أو ربّما سقط ضلع من أحدهم فلم يقوَ على أن يستدرك لحاق قلبه خلف السيارات المارة بالقرب من مبنى المركز الثقافي، ونحن نعدّ أيامنا ونقيس قاماتنا على باب “ثانوية البنات” هناك!!!..
“محمد الغالي”.. أيضاً أنت خذلتك الحرب، سرقت منك وجهك القديم، وقلبك الطافح بالبراءة، وأنا شوهتني الحرب، يبّست قلبي على إيقاع الجنازات والأسود الذي أثقل الجميع، لماذا لم نترك للآخرين فسحةً كي يأخذوا أنفاسهم فيها، وكي يستردوا هول الصدمة، وأعمارهم التي فرّت من أمامهم، لماذا لم ندرك حجم الفاجعة، ولم نقرأ جيّداً أنّنا لم نكن نعتقد أبداً، أبداً، أنّ حلمنا يمكن أن ينكسر هكذا بدون مقدمات، وبدون سابق إنذار، لماذا لم نكن أكثر بصيرة وواقعية، علماً بأنّنا كنّا الأقدر على فهم كلّ الذي تعدّه لنا أروقة العواصف في كثير من العواصم، ألم نكن ساذجين حدّ الذهول، كي نسلّم كلّ هذا الفرح الرقيق لبلاط السارقين لأحلامنا، ألم نكن محكومين بالحلم حين كنّا نظنّ بأنّنا صورة مصغّرة عن بلاد تمتدّ من الماء إلى الماء، وأنّنا أمّة محشوّة بالقمح والصبر والعناد، لماذا لم نأخذ بعين الاعتبار كلّ دروس التاريخ، ونفهم بالضبط لماذا كانت “قريشٌ” ضدّ فتى من فتيانها، عندما أراد أن يأخذ بيدها نحو الخلود، لماذا لم نستطع أن نفهم المعادلة الناظمة لربط الواقع بالحلم، لماذا لم نستطع أن نوفّق بين الحلم بالقيمة كي يبقى الإنسان والحلم بالدولة كي تبقى السلطة، لماذا لم نكن قادرين على التقاط اللحظة الفارقة بين الدفاع عن الحقّ والدفاع عن المجدّ؟!!!..
لم يكن التاريخ عارياً تماماً أمام عيوننا، لكنّه كان مستعدّاً أن يخلع ثيابه من حينٍ لآخر، وكنّا قادرين على فهم ورؤية زواياه الميّتة، أو أضلاعه المنسية على درجات سقوط الامبراطوريات التي عمّرت عقوداً وهي تلهث خلف جدران المُلك أو تلتحف بعباءة الإمامة وشرشف العصمة وعمامة الاحتلال!!!..
أعتقد أنّنا كنّا قادرين على الفهم كثيراً لو أنّنا أعطينا عقلنا أكثر من قلبنا، وكنّا قادرين على استيعاب تبدّل درجات حرارة التاريخ وحركته لو أنّنا كنّا على مقربة من حكمة صيرورة الوجود، بعيداً عن حسابات رحلة الشتاء والصيف!!..
وأعتقد أنّنا كنّا قادرين على استكشاف طبيعة الأشياء أكثر لو أنّنا تعاملنا معها باعتبارها أشياء ولم نتعامل معها باعتبارها آلهة، فسطوة التاريخ سطوة حكمة أو سطوة بغي، هكذا هو التاريخ، فإمّا أن يكون ماء حنفيات في البيوت أو يكون استعداداً دائماً للقتل!!..
“محمد عبد الحميد”، عذراً إذا أطلت عليك البوح، أو أطلت عليك السلام، أو حتى أقلقت لك منامك، لكنّك يا صديقي الغالي كنت جسر قلقي الجميل نحو غابات من الدهشة وسنوات من العمر المكسور بحاضر لم أكن أظنّه إطلاقاً إلا حُلماً قاسياً سأفيق منه بعد دقائق، أو خطوات!!..
خالد العبود..