
-أخطر مرحلة من مراحل العدوان على السوريّين، هي المرحلة التي تحرّكت بها محافظة “السويداا..ء”، بغض النظر عن المجموعات التي تحرّكت، وعن الشعارات التي رُفعتْ، وبغض النظر عن النتيجة المحسومة أخيراً لصالح الدولة!!..
-لماذا هي المرحلة الأخطر؟!!..
هي المرحلة الأخطر، كون أنّ “حَراك السويداا..ء” جاء بغطاءٍ طائفيٍّ عميقٍ، بصرف النظر عن المواقف والمطالب والبيانات، لكنّها جميعها تدور في فلك المرجعيّة، وبالتالي في فلك الطائفة، حيّث أنّ المرجعيّة الكريمة نصّبت من نفسها غطاءً لمواقف سياسيّة، وبدلاً من أن تشكّل غطاءً وطنيّاً جامعاً، وتتّخذ موقفاً وطنيّاً اتخذت موقفاً سياسيّاً!!..
-لم تصطف المرجعيّة الروحيّة في محافظة “السويداااا..ء”، منذ قيام الجمهوريّة هذا الاصطفاف السياسيّ الحاد، فهي لم تصطف بعثيّاً أو ناصريّاً أو شيوعيّاً، في مراحل سابقة مرّت بها البلاد، وبالتالي فإنّ هذه المرجعيّة لم تصادر أبناء الطائفة يوماً، بموقفٍ سياسيٍّ محدّد، فمنهم من صار بعثيّاً ومنهم من صار ناصريّاً ومنهم من صار شيوعيّاً، بمعنى أنّ أبناء الطائفة انقسموا سياسيّاً، لكنّ الطائفة لم تنقسم، كون أنّ المرجعيّة لم تعرّض الطائفة للانقسام السياسيّ، باعتبار أنّها بقيت فوق ما هو سياسيّ!!..
-هذا الموقف الجديد للمرجعيّة سوف يجعلها في قلب حَراك الدولة السياسيّ، وبالتالي فإنّ الطائفة سوف تنتقل من كونها مكون اجتماعيّ – روحيّ، إلى مكونٍ سياسيٍّ صرف، وهو الأمر الذي لن يُبقيَ الأبواب موصدةً، أمام مكوّنات طائفيّة أخرى، ترى في نفسها أكثريّة اجتماعيّة كبيرة، سرعان ما ستسعى لتحويل ذاتها إلى أكثريّة سياسيّة!!..
-المسلمون “السنة” والمسلمون “العلويّون” لا يعتمد نظامهم الطائفيّ البنيويّ على مفهوم “المرجعيّة”، أمّا بالنسبة للمسلمين “الشيعة” والمسلمين “الموحدين الدروز”، فإنّ نظامهم الطائفيّ البنيويّ يقوم في جوهره على مفهوم “المرجعيّة”، لهذا فإنّ من انقسم من “السنّة” على أساس موقفه من الحرب على سوريّة، انقسم سياسيّاً ولم ينقسم طائفيّاً، كون أنّه لا توجد “مرجعيّة سنيّة” اتخذت موقفاً سياسيّاً من الحرب أساساً، باعتبار أنّ هناك رجال دين اتخذوا موقفاً معيّناً من الحرب، لكنّهم لا يستطيعون اختصار الطائفة أو تمثيلها، كما هو في نظام المرجعيّة!!..
-لهذا فإنّ هزيمة العدوان الذي جعل من الطائفة “السنيّة” حاملاً له في مراحله الأولى، لا يعني هزيمة الطائفة، وكذلك فإنّ احتمال نجاحه فيما لو تحقّق، لن يكون نجاحاً طائفيّاً، لماذا؟!!.. لأنّ الطائفة انقسمت سياسيّاً حول الحرب، لكنّ مجمل “حَراك السويدااا..ء” هو “حَراكٌ” استقوى بالطائفة، من خلال استقوائه بالمرجعيّة، سعياً للمشروعيّة، كون أنّ المرجعيّة بادرت كي تأخذ هذا الموقف السياسيّ الحاد، ظنّا منها بأنّها تؤدّي دوراً وطنيّاً، لكنّها فوجئت بأنّها تغرق في وحل مواقف سياسيّة صرفة، لهذا فإنّ الانقسام الحاصل في جسم الطائفة سياسيّاً، سوف يؤدي إلى انقسامٍ طائفيّ في جسم الطائفة، ولو أنّه لم يعبّر عنه سريعاً!!..
-بمعنى آخر يمكننا القول، بأنّ من سينتصر لهزيمة العدوان، من الطائفة في “السويداا..ء”، سينتصر لهزيمة جزءٍ منها، ومن سينهزم لهزيمة العدوان، سينهزم لهزيمة الجزء الآخر من الطائفة، كون أنّ المرجعيّة بموقفها هي التي سعت إلى انقسام الطائفة، كذلك فإنّها بموقفها هذا، حدّدت موقفها من الدولة على أساس طائفيٍّ، وليس على أساسٍ سياسيٍّ، وهو تعبيرٌ سوف ينمو ويتّضح أكثر مع الأيام القادمة!!..
-ماذا لو خرجت علينا بعض الأحزاب السياسيّة غداً، من أبناء المحافظة – وهو ما سيحصل – وقالت بأنّ “الحَراك” كان منذ أيّامه الأولى ملغوماً، وهو لا يمثّل مطلباً سياسيّاً نظيفاً، وإنّما هو عبارة عن مجموعات يتمّ الاستثمار بها، من أجل إحراج الدولة والضغط عليها، بغية انتزاع قرارها الوطنيّ أو جزء منه؟!!..
-وماذا لو ثبت موضوعيّاً وواقعيّاً أنّ هناك جهاتٍ خارجيّةً، هي من مدّت ودعمت هذا “الحَراك”، تماماً مثلما حصل في “حَراك درعا”، وخرج علينا مسؤولٌ عربيٌّ، أو غير عربيٍّ، وقال بأنّنا كنّا في “السويدااا..ء” ما زلنا “نتهاوش على الصيدة”؟!!..
-ما هو موقف المرجعيّة بهذه المرحلة المريرة، هل تنقسم بانقسام أبناء الطائفة سياسيّاً، وبالتالي تصبح في مواجهة سياسيّة مع أطرافٍ سياسيّة، داخليّة وخارجيّة، حول عناوين سياسيّة محدّدة، أم أنّها ستنقلب على “الحَراك” الذي منحته المشروعيّة، وأعطته غطاء الطائفة الشرعيّ؟!!..
-إنّ انجرار المرجعيّة إلى هذا الموقع من التجاذبات السياسيّة، سيشكّل نموذجاً طائفيّاً سالباً لعيش السوريّين، وسيؤدي إلى نمو اصطفافاتٍ طائفيّةٍ حادّة، على حساب الدولة وإنجازاتها، خلال عشرات السنوات الماضيّة من عمرها، طالما أنّنا نتحدّث عن مرجعيّة عميقة في وجدان أبناء الطائفة الدينيّ والعقائديّ، ولا نتحدّث عن رجال دين يخطؤون ويصيبون، كما هي الحال عند طائفة “المسلمين السّنة”، وعند طائفة “المسلمين العلويين”!!..
-ألم نواجه “الأخوان المسلمين”، أكثر من خمسين عاماً، كي نمنعهم من تمرير مشروعهم الطائفيِّ، في محاولاتهم تمثيل طائفة معيّنة، تمثيلاً عقائديّاً ودينيّاً، للتعبير عنها سياسيّاً؟!!!..
-الاحتلال سيخرج، والأراضي بخيراتها تُستعاد، ويُستعاد الأمن والاستقرار، ويُستعاد الرخاء والاكتفاء والعيش الكريم، لكنّه صعبٌ جدّاً، في شرقنا هذا، أن تُستعاد الدولة، فيما إذا خطفتها الطوائف!!..
خالد العبود..