
-في العقود الثلاثة الماضيةِ من عمرِ المنطقةِ، حصلتْ معاركُ كبرى على مستوى إعادةِ تشكيلِ “وعي العامّةِ”، وتحديداً بعد أنْ أدركتْ قوى إقليميّةٌ ودوليّةٌ، أنَّ “وعيَ العامّةِ” السائدَ والحاكمَ لشعوبِ المنطقةِ، إنّما هو “وعيٌ” ساهمَ كثيراً في استقرارٍ المنطقةِ، وكانَ حادّاً جدّاً برفضِهِ لفكرةِ قيامِ كيانٍ دخيلٍ فوقَ ترابِ فلسطين، على حسابِ حقوقِ الشعبِ الفلسطينيِّ!!..
-إنَّ هذا السائدَ والحاكمَ لـ “وعيِ” شعوبِ المنطقةِ، تمَّ تحريضَهُ وتشغيلَهُ دائماً، في مواجهةِ فكرةِ “التطبيعِ” معَ هذا الكيانِ، وهو ما كانَ واضحاً وجليّاً بعدَ اتفاقياتِ التسويةِ التي عقدتها بعضُ حكوماتِ وأنظمةِ المنطقةِ مع هذا الكيانِ، وهو الأمرُ الذي دفعَ قوى إقليميّةٌ ودوليّةٌ، لإشغالِ “وعي العامّةِ” من أبناءِ شعوبِ المنطقةِ، بصراعاتٍ أخرى بينيّةٍ، تكونُ أساسيّةً في التأثيرِ على إعادةِ ترتيبِ وإنتاجِ هذا “الوعي”، وصولاً إلى اصطفافاتٍ يكونُ فيها هذا الكيانُ، من ضمنِ تلكَ الاصطفافاتِ!!..
-إنَّ الاصطفافاتِ التي تمَّ الاشتغالُ عليها، هي اصطفافاتٌ دينيّةٌ وطائفيّةٌ وعرقيّةٌ، تُشغل وتفصلُ أبناءَ شعوبِ المنطقةِ، عن شعورِها العامِ من فكرةِ وجودِ هذا الكيان، وبخاصّةٍ عندما يقدّمُ هذا الكيانُ باعتبارهِ جزءاً من هذهِ الاصطفافاتِ، وهو ما حصلَ فعلاً، عندما تمَّ إشعالُ المنطقةِ على أساسٍ دينيٍّ وطائفيٍّ، انقسمتْ على أساسِه شعوبٌ، وتفكّكتْ أوطانٌ ودولٌ صغيرةٌ وكبيرةٌ، ونشأت مصالحُ كبرى، ارتبطتْ ارتباطاً كبيراً، بطبيعةِ هذه الاصطفافاتِ الصاعدةِ!!..
-لقدْ خُتِمَ هذا العدوانُ المركّزُ على شعوبِ المنطقةِ وقواها السياسيّةِ والاجتماعيّةِ والثقافيّةِ، بفوضى “الربيعِ العربيِّ”، هذه الفوضى التي تمكّنتْ وبنجاحٍ كبيرٍ من التأثيرِ على “وعيِ العامّةِ”، وعلى كثيرٍ من “وعيِ الخاصّةِ” أيضاً، مثلما أشعلتْ سوقَ مصالح كبرى، سياسيّةً وغير سياسيّةٍ، تراجعَ فيها ومن خلالها، “وعيُ” شعوبِ المنطقةِ، بخطورةِ فكرةِ قيامِ هذا الكيان، حين انشغلَ هذا “الوعي” بخطورةِ فكرةِ وواقعِ الدفاعِ عن الذاتِ الضيّقة، وفق اصطفافاتٍ عميقةٍ دينيّةٍ وطائفيّةٍ وعرقيّةٍ!!..
-تراجعت القضيةُ الفلسطينيّةُ تراجعاً شديداً، عند أنساقٍ واسعةٍ من أبناءِ شعوبِ المنطقةٍ وقواها المختلفةِ، وكادتْ تنشأ بنى جديدةٌ حاسمةٌ وحاكمةٌ، تعيدُ إنتاجَ المنطقةِ من جديدٍ، وفقَ رؤى وأهدافٍ جديدةٍ طاردةٍ لرؤى وأهدافٍ سابقةٍ، واستطاعتْ هذه البُنى الجديدةُ أن تنالَ من وحدةِ الشعبِ الفلسطينيِّ ذاتِهِ، حينَ تمكّنتْ من ربطِ بعضِ قواهُ بفوضى “الربيعِ العربيِّ”، وإشغالِهِ بمصالح اصطفافاتٍ ناشئةٍ، دينيّةٍ وطائفيّةٍ وعرقيّةٍ!!..
-لقد جاء “طوفانُ الأقصى” كضربةٍ حادّةٍ وعموديّةٍ، وشكّلَ “تسونامي” عميقاً في “وعي العامّةِ”، وحساباتِ الكثيرينَ من “الخاصّةِ”، وقلبَ اعتباراتٍ وأنجداتٍ وغيّرَ خرائطَ رئيسيّةً في اصطفافاتِ أبناءِ شعوبِ المنطقةِ، وجاء طارداً لرئيسيّاتٍ دينيّةٍ وطائفيّةٍ وعرقيّةٍ، كانتْ أساسيّةً في تشكيلِ اصطفافاتِ وأولوياتِ “وعي العامّةِ”، وكشفَ كشفاً عميقاً عن الاصطفافاتِ الحقيقيّةِ الطبيعيّةِ، التي تشكّلُ بُنى أساسيّةً في استقرار المنطقةِ، وفي حمايةِ مصالح أبنائِها جميعاً!!..
خالد العبّود..