
-يعتقدُ البعضُ أنَّ “الدّعمَ” يعبّرُ عن كتلةٍ من المالِ تمتلكُها الدولةُ، تقومُ بتوزيعِهَا على مواطنيها، من خلالِ مطارح تربويَّةٍ وتعليميّةٍ وخدميّةٍ ومعيشيّةٍ وصحيّةٍ، نتيجةَ حاجةِ هؤلاء المواطنين لها، الأمرُ الذي أدّى، وسوف يؤدّي لاحقاً بشكلٍ أكبر، إلى مشاكلَ تتعلّقُ بقدرةِ الدّولةِ على توفيرِ هذهِ الكتلةِ، أو إلى عدمِ وصولِ هذهِ الكتلةِ إلى من يستحقُّها بشكلٍ عادلٍ، أو أنَّ هذهِ الكتلةَ تأثّرتْ، أو سوفَ تتأثّرُ، بشيءٍ من تبعاتِ البيروقراطيّةِ التي تصيبُ بعضَ مؤسّساتِ الدولةِ، أو تعرّضتْ، أو سوفَ تتعرّضُ، لشيءٍ منَ ملحقاتِ الفسادِ الذي أصابَ هذهِ المؤسّساتِ أيضاً!!..
-في حين أنّنا نرى، بأنَّ “الدَّعمَ” أعمقُ من ذلكَ بكثيرٍ، فهوَ “نمطٌ” سياسيٌّ، يحدّدُ علاقةَ الدولةِ بالمجتمعِ، وموقعَ المجتمعِ من الدولةِ، كونَ أنَّ جوهرَ هذا “النّمط” يقومُ على أهدافٍ “سياسيّةٍ – اجتماعيّةٍ”، بالرّغمِ من أنَّ معظمَ تجلياتِهِ المباشرةِ هيَ تجليّاتٌ “اقتصاديّةٌ – اجتماعيّةٌ” بسيطةٌ، تتكثّفُ في جملةِ التزاماتٍ تؤدّيها بعضُ مؤسّساتِ الدولةِ تجاهَ مواطنيّها، وتتلخّصُ في مجموعةِ عناوين معيشيّةٍ وخدميّةٍ!!..
-إنَّ “الدّعمَ” في جوهرِهِ هو معنى سياسيٌّ صرفٌ، يساهمُ في تحديدِ شكلِ “الدولةِ – السّلطةِ”، وعلاقةِ هذهِ “الدولةِ – السّلطةِ” بالمجتمعِ وموقعِها وموقفِها منه، وصولاً إلى شكلٍ متقدّمٍ للدولةِ، يكونُ المجتمعُ بأغلبِ أنساقِهِ واصطفافاتِهِ حاضراً في موقعِ “الدولةِ – السّلطةِ”، وهذا يبدو واضحاً وجليّاً بالانزياح الكبيرِ الذي يحصلُ للمجتمعِ، بعد سنواتٍ قليلةٍ على اتّباعِ الدولةِ لهكذا “نمطٍ”..
-فمن خلالِ تكريسِ وترسيخِ مفهومِ “الدّعمِ”، بعدَ الأخذِ بـ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ”، من قبلِ أيِّ نظامٍ سياسيٍّ في أيِّ دولةٍ، يتمُّ تعميمُ السّلطةِ على مساحاتٍ واسعةٍ من المجتمعِ، حيثُ تقومُ الدولةُ بالتواصلِ مع المجتمعِ، بجميعِ أنساقِهِ واصطفافاتِهِ باعتبارِهِ شريكاً في إدارةِ “الدولةِ – السّلطةِ”، وليسَ مجتمعَ رعايا يؤدّي خدماتٍ محدّدةٍ تجاهَ “سلطةِ الدولةِ”..
-فـ “الدّعمُ” بهذا المعنى هو انفتاحُ “الدولةِ – السّلطةِ” على مجتمعِها، ليس من أجلِ ممارسَةِ السُّلطةِ عليه، أو الاستفادةِ منه باعتبارِهِ مطرحاً ضريبيّاً، أو باعتبارِهِ مصدراً من مصادرِ دُخولاتِها، أو سوقاً من أسواقِ منتجاتِها، كما أنّه ليسَ شكلاً من أشكالِ وصولِ “الدولةِ – السّلطةِ” إلى مجتمعِها، كي تؤدّي له دوراً خدميّاً، أو تؤدّي له دوراً اجتماعيّاً فقط!!..
-وهو “نمطٌ” لا تمارسُهُ الدولةُ من طرفٍ واحدٍ، وإنّما يلعبُ المجتمعُ الدورَ الرئيسيَّ به، كونَ أنَّ “الدّعمَ” في إحدى رئيسيّاتِهِ، يكونُ “دعماً مجتمعيّاً” توفّرُهُ “استراتيجيّةُ الدّعمِ” ذاتُها، في جميعِ المستوياتِ، زراعةً وصناعةً وخدماتٍ أيضاً، إضافةً إلى كونِ أنَّ المجتمعَ، بفضلِ هذهِ “الاستراتيجيّةِ”، يتحوّلُ إلى مدخلٍ رئيسيٍّ من مدخلاتِ إنتاجِ “الدولةِ – السّلطةِ”، سياسيّاً، وذلك عندما يُمنحُ هذا المجتمعُ إمكانيّةَ التعبيرِ عن نفسِهِ سياسيّاً، بعدَ انتقالِهِ لموقعِ شريكِ الدولةِ، في إنتاجِ الدولةِ لذاتِها اقتصاديّاً..
-كما أنّهُ “نمطٌ” لا يُعنى فقط بالعدلِ والمساواةِ في “توزيع الثروةِ”، وإنّما هو نهجٌ تمارسُهُ الدولةُ لتستفيدَ من إمكانيّاتِ مجتمعِها، دفاعاً عنهُ وحمايةً له، كما أنّها تستفيدُ من خلالِ إعادةِ إنتاجَ ذاتِها وفقَ أسُسٍ وطنيّةٍ، أكثرَ عمقاً وعدلاً ومساواةً بالنسبةِ لمجتمعها، وأكثرَ قوّةً وسيادةً واستقلالاً واستقراراً بالنسبةِ لنفسِها، لهذا فإنّنا نعتقدُ بأنَّ هذا “النّمطَ” المحدِّدَ لعلاقةِ الدولةِ بمجتمعِها، هو القادرُ على إنتاجِ أرقى شكلٍ للدولةِ الحديثةِ، بعيداً عن أيِّ توصيفٍ أو احتكارٍ أيديولوجيٍّ لها!!..
-وبناءً على ذلك يمكننا التأكيدَ على أنَّ الأهدافَ الرئيسيّةَ لهذا “النمطَ” الاقتصاديَّ – الاجتماعيَّ، والذي مارستْهُ سوريّة على مدارِ عشراتِ السنواتِ الماضيةِ، لم تكن أهدافاً اقتصاديّةً – اجتماعيّةً فقط، وصولاً إلى عدالةٍ اجتماعيّةٍ، وإنّما كانت أيضاً أهدافاً سياسيّةً، ساهمتْ في انخراطِ جميعِ الأنساقِ المجتمعيّةِ السوريّةِ، بكلَّ طبقاتِها وشرائحِها، في بنية “الدولةِ – السّلطةِ”، فأصبحت الدّولةُ بهذا المعنى، هي دولةُ مواطنيها جميعاً، وليست دولةَ نسقٍ أو طبقةٍ أو شريحةٍ منهم!!..
-إنَّ من رسّخَ هذا “النمطَ” الاقتصاديَّ – الاجتماعيَّ – السياسيَّ في سوريّة، لربطِ المجتمعِ بالدولةِ، دفاعاً عن الدولةِ والمجتمعِ، هو نظامٌ وطنيٌّ عميقٌ وعريقٌ، نجحَ نجاحاً باهراً، في تأمينِ الدولةِ وحمايتِها، بفضلِ نجاحِهِ الرئيسيِّ، في الوصولِ إلى الطبقةِ الاجتماعيّةِ الرئيسيّةِ في المجتمع، من عمّالٍ وفلاحين وأنساقٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ، كانتْ مهملةً في مراحل سابقةٍ من عمرِ الدّولةِ، كما أنّها كانتْ مبعدةً عن المساهمةِ في إدارةِ مؤسّساتها!!..
-لهذا لا تُقاسُ مفرداتُ ومخرجاتُ هذا “النمط” من “الدَّعمِ”، بمعاييرَ حسابيّةٍ بسيطةٍ، كما يفعلُ البعضُ منّا خلالَ هذه المرحلةِ، وبخاصّةٍ عندما يُخضِعونَ بعضَ المفرداتِ الحياتيّة – المعيشيّة، لمعايير ومقاييس الخسارةِ والربحِ، حتى يبدو هذا “النمط” وكأنَّهُ معيارٌ “حسابيٌّ – ماديٌّ – سطحيٌّ” صرفٌ، من معايير ربحِ أو خسارةِ الدولةِ، بالمعنى الضيّق والبسيطِ لمفهومِ الخسارةِ والربحِ!!..
-ففي هذا “النمط الاقتصاديِّ – الاجتماعيِّ”، لا يكونُ السؤالُ كم خسرتِ الدولةُ – مادياً وظاهريّاً، كما تفعلُ الحكومةُ اليوم – نتيجةَ اتّباعها هذا “النمط”، وإنّما يكونُ السؤالُ هل أدّى هذا “النمطُ” الأهدافَ المرجوّةَ منه، في الوصولِ إلى صيغةِ الدولةِ الوطنيّةِ الأرقى، والتي انخرطَ فيها أبناؤها جميعاً، على أساسٍ وطنيٍّ تجاوزَ المعاني والأنساقَ الاجتماعيّةِ والدينيّةِ والمناطقيّةِ والطبقيّة، وهل أمّنَ هذا “النمطُ” الأهدافَ الأخرى للدولة، من استقلالٍ واستقرارٍ، أم لا؟!!..
-لهذا فإنَّ ملاحظاتِ البعضِ على هذا “النمطِ”، بأسئلةٍ مباشرةٍ واعتراضيّةٍ، لها علاقةٌ بـ “عدالةِ توزيعِ الثروةِ”، أو بسرديّةِ “إيصالِ الدّعمِ إلى مستحقّيهِ”، مختزلاً بعناوين معيشيّةٍ فقط: “مواد غذائيّة، محروقات”، أو خدميّةٍ: “تربية، تعليم، صحة”، إنّما هي ملاحظاتٌ غيرُ موضوعيَّةٍ، وغيرُ منطقيَّةٍ أبداً، وهي نابعةٌ من معرفةٍ ناقصةٍ بجوهرِ وحقيقةِ علاقةِ الدولةِ بـمفهوم “الدّعمِ” أساساً، بالمعنى “السياسيِّ – الاجتماعيِّ” له!!..
-إنَّ هذهِ العناوينَ التي تتوقّفُ عندها الحكومةُ، أو ممّن يروّجُ لهذهِ الأفكار، أو يدافعُ عنها، فاتهم جميعاً، أنّها كانتْ مخرجاتِ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ” ذاتِها، وهي عناوينُ ليستْ منفصلةً عنْ مدخلاتٍ رئيسيّةٍ في هذهِ “الاستراتيجيّةِ”، فـ “دعمُ ربطةِ الخبزِ” لا يبدأُ بها، وإنّما يبدأُ بـ “دعمِ الزراعةِ”، و”دعمُ الزراعةِ” لا يعني فقط دعماً اقتصاديّاً، يتعلّقُ بـ “أمنِ الدولةِ الغذائيِّ”، وصولاً إلى حمايةِ “الأمنِ الوطنيِّ” للدولةِ، وإنّما يتعلّقُ في جوهرهِ على النّهوضِ بالفلاحِ، ليسَ باعتبارِهِ فرداً، وإنّما باعتبارِهِ الشريحةِ الوطنيّةِ الرئيسيّةِ في المجتمعِ، كي يكونَ شريكاً أساسيّاً في إنتاجِ “الدّولةِ – السّلطةِ”، ليسَ من خلالِ شخصِهِ، وإنّما من خلالِ بيئةٍ فلاحيّةٍ كاملةٍ، كان حريصاً النظامُ السياسيُّ عليها، بأنْ تكونَ أساسيّةً في إنتاجِ الدولةِ، وهكذا بالنسبةِ لباقي الأنساقِ المجتمعيّةِ الأخرى..
-إنَّ النسقَ الاجتماعيَّ الذي استثمرتْ به الدولةُ زراعيّاً، لم يتمِّ الاكتفاءُ بهذا الاستثمارِ المباشرِ بهذا الفلاح، وإنّما سهّلتْ له الدولةُ، من خلالِ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ” ذاتِها، إمكانيّةَ انخراطِهِ في مؤسّساتِ الدولةِ، وهوَ استثمارٌ حيويٌّ جدّاً، تمكّنت الدولةُ من خلالِهِ، إعادةَ إنتاجِ علاقتِها بهذهِ الأنساقٍ الاجتماعيّةٍ الواسعةٍ، حيثُ كانت هذهِ الأنساقُ بالنسبةِ لبعضِ الأنظمةِ والحكوماتِ التي مرّتْ على حكمِ سوريّة، أنساقاً معدومةَ الملكيّةِ، نتيجةَ هيمنةِ مرحلةٍ اقطاعيّةٍ واسعةٍ، منعتْ هذهِ الأنساقَ منْ أنْ تمارسَ وجودَها وحقوقَها في “مواطنيّتِها” الكاملةِ!!..
-نستطيعُ الجزمَ هنا، بأنَّ الثورةَ التي حصلتْ في سوريّة، بعدَ جلاءِ القواتِ الفرنسيّة، وبعدَ هزيمةِ حكمِ الطبقةِ البرجوازيّةِ التي ورثَتْ ما خلّفهُ الاحتلالُ الفرنسيُّ، هي ثورةٌ زراعيّةٌ مركّبةٌ، منها ما هو زراعيٌّ ماديٌّ، ومنها ما بشريٌّ ماديٌّ ومعنويٌّ، تقدّمتْ من خلالِهِ أنساقٌ اجتماعيّةٌ، بفضلِ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ” التي كانتْ إحدى أدواتِ الثورةِ، كي تكونَ جزءًا رئيسيّاً منَ الدولةِ وجسمها، وصولاً إلى شكلٍ جديدٍ للدولةِ، شكّلَ انقلاباً عميقاً على شكلِها قبلَ الثورةِ..
-وهنا علينا أنْ نوضّحَ أمراً خطيراً آخر، وقعَ بهِ بعضُنا عندما حاولَ مقاربةَ “الدّعمِ” الذي تقدّمُهُ الدولةُ، على أنّهُ “دعمٌ” تمارسُهُ جميعُ دولِ العالمِ، والحقيقةُ أنَّ هؤلاءَ الأخوة، لم يميّزوا أو يفرّقوا، بين “نمطِ الدّعمِ” الذي مارستهُ سوريّة، منذ عشرات السنوات، ومعها دولٌ عديدةٌ، وهو “النمط” الذي وضّحناهُ أعلاه، وبين “نمطِ الدّعمِ الليبراليِّ” الذي مارستهُ أنظمةٌ وحكوماتٌ أخرى على مستوى العالم، وهو دعمٌ لهُ أهدافٌ مختلفةٌ تماماً!!..
-كونَ أنَّ هناكَ أنظمةً وحكوماتٍ عديدةً، دعمت الزراعةَ والصناعةَ في بلادِها، دفاعاً عن مصالحِ القوى السياسيّةِ الحاكمةِ وأطماعِها في هذه البلادِ، لأنَّ مصالحَها وأطماعَها مرتبطةٌ بهذا “الدّعم”، لكنَّ هذا “الدّعمَ” هو دعمٌ مصلحيٌّ ضيّقٌ، يمكن للمواطنِ أن يستفيدَ منه، في بعضِ خطوطِهِ التفصيليّةِ والثّانويّةِ، لكنَّهُ ليسَ هدفاً من أهدافِ هذه الأنظمة والحكومات، كونَ أنَّ هذهِ الأنظمةَ والحكوماتِ، ليس لها أهدافاً وطنيّةً عميقةً، ذاتَ أبعادٍ اجتماعيّةٍ – سياسيّةٍ حقيقيّةٍ، في المجتمعاتِ التي حكمتْها أو تحكمُها حتّى اليوم، بمقدارِ ما كانت لها أهدافٌ مصلحيّةٌ خاصّةٌ، بالأنساقِ التي وصلتْ إلى السُّلطةِ!!..
-لهذا نرى أنّ البعضَ خلطَ بينَ مفهوم “الدّعمِ” بمعناه السياسيَّ، سعياً إلى استنهاضِ المجتمعِ، بكلِّ أنساقِهِ واصطفافاتِهِ، وزجّهِ في إدارةِ الدولةِ، كي لا ينوب عنه أحدٌ بذلك، وبين “الدّعمِ” الذي مارستهُ بعض الأنظمةِ والحكوماتِ، ومن مستوى ليبراليٍّ ضيّقٍ جدّاً، كي تدافعَ عن مصالحِها وأطماعِها، بعد وصولِها إلى السّلطةِ في بلادِها!!..
-لهذا نستطيعُ القول، بأنَّ أيَّ مقاربةٍ من تلكَ المقارباتِ التي تقدِّمُها الحكومةُ، حولَ بعضِ مخرجاتِ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ” الخاصّةِ بحياةِ السُّوريّين، يقضي بالضرورةِ أنَّ هناكَ تخليّاً للحكومةِ، أو تراجعاً منها، عن هذه “الاستراتيجيّةِ”، وهذا في تقديرِنا أمرٌ مرفوضٌ تماماً، من قبلِ النظامِ السياسيِّ الوطنيِّ في سوريّة..
-لكنَّهُ يبقى هناك سؤالٌ كبيرٌ، في ظلِّ ما تفعلُهُ الحكومةُ، وفي ظلِّ إجراءاتِها الخاصّةِ بمخرجاتِ “الدّعمِ”، وهو:
ما هيَ قراءتُنا لما تفعلُهُ الدولةُ، تجاهَ مخرجاتِ “استراتيجيّةِ الدَّعمِ” الخاصّةِ بحياةِ السُّوريّين، في هذهِ المرحلةِ؟!!..
وهو ما سنحاولُ الإجابةَ عليه في مقالٍ قادمٍ..
“يتبع”..
خالد العبّود..