
-أثبتت الأحداث الأخيرة في بلادنا، أنّنا شعبٌ جاهزٌ تماماً للتقسيم، وأنّ وعينا الجمعيّ محكومٌ بنظريّة المناطقيّة والعشائريّة والقبليّة والطائفيّة والمذهبيّة، وأنّه وعيٌ ما زال ينتمي إلى ما قبل الدولة، وهذا المعنى ليس حاكماً للعامّة منّا، وإنّما هو معنى حاكمٌ وآسرٌ للخاصّة أيضاً!!..
-إنّ طبيعة ومفردات وتفاصيل ما حصل ويحصل معنا، يؤكّد أنّه ليس صحيحاً ما كنّا نعتقده دائماً، بأنّ قوى خارجيّة هي التي ركّبت وخلقت لنا هذا الوعي الجمعيّ، الذي يقوم في جذره على مفاهيم ما قبل الدولة، وإنّما نحن شعبٌ تقوده حقيقة هذه المفاهيم، وهي ناتج مراحل تاريخيّة عميقة، جاءت قوى خارجيّة للاستثمار فيها!!..
-وهنا لا نعني أولئك الذين تمّ استغلالهم، في العدوان على الدولة، وإنّما نعني غالبية السوريّين الذين يعيشون هذه الأحداث، بعيداً عن مواقفهم السياسيّة، في لعبة “الموالاة” و”المعارضة”، باعتبار أنّ ذلك بدا واضحاً تماماً، عندما تعامل جميعنا، ومنذ البداية، من حيث يدري أو لا يدري، مع أحداث درعا، على أنّها أحداثٌ خاصّةٌ بدرعا، وبالتالي فإنّ حرجاً شديداً كان يعانيه كثيرٌ من أبناء المحافظات الأخرى، عندما يريدون اتخاذ أيّ موقف، ممّا كان يحصل في المحافظة!!..
-لقد بدا الانقسام عميقاً وواضحاً في جسم السوريّين، على أكثر من مستوى وأكثر من عنوان، وأكد ذلك صاعداً ما عانت منه بعض مناطق ومحافظات القطر الأخرى، ليس فقط على مستوى مفهوم المنطقة، وإنّما تعداه ذلك إلى معاني دينيّة وطائفيّة، وأخيراً إلى معاني أخرى عشائريّة وقبليّة!!..
-كنّا نعتقد أنّنا استطعنا إنجاز الدولة، ورسّخنا مفهوم المواطنة، وأنّنا متجاوزون حتّى لمفهوم الدولة القطريّة، والحقيقة أنّنا غير ذلك تماماً، ووراء ذلك بأكثر أكثر ممّا كنّا نظنّ جميعاً!!..
-شعور الكثيرين منّا، على أن ما يحصل في درعا هو مُلك أهل درعا، وأنّ ما يحصل في حلب هو مُلك أهل حلب، وأنّ ما يحصل في إدلب هو مُلك أهل إدلب، وأنّ ما يحصل في السويداء، هو مُلك أهل السويداء.. وهكذا، هو شعور نابعٌ من انتماءٍ مناطقيّ لا يؤمن من يعيشه بالدولة بعد، ولم يسمع بها، ولا يدركه بعد معنى المواطنة، وإنّ تغنّى أو تجمّل به من حين لآخر!!..
-إنّ إصرار البعض منّا، على أنّ أحداث درعا، لا يفهمها غير أبناء درعا، وأحداث اللاذقيّة، لا يفهما غير أبناء اللاذقيّة، وأحداث دير الزور، لا يفهمها غير أبناء العشائر والقبائل في تلك المناطق، هو تعبيرٌ عميقٌ عن جوهر حقيقة انتماءاتنا لما قبل الدولة، وعن الجذر الحقيقيّ لمفهوم التقسيم المناطقيّ الذي نعيشه في وعينا أو لا وعينا الجمعيّ!!..
-وإنّ اعتبار البعض منّا – على أنّ جزءاً من شعبنا في محافظاتنا ومناطقنا، التي يمرّ بها الحريق، من درعا حتى دير الزور، يمكن أن يُستثار ويَغضب أكثر، فيما لو تدخّل في “حَراكه” أبناء محافظات أو مناطق أخرى – إنّما هو اعتبارٌ خطيرٌ جدّاً، يرسّخ التالي:
-أنّ “الحَراك” نظيفٌ، وأنّه يتحرّك نتيجة أسبابٍ داخليّة!!..
-أنّ “الحَراك” مناطقيٌّ، وليس لأبناء الدولة، أو حتّى للدولة، حقّ التدخّل به!!..
-إنّ هذه الاعتبارات الخطيرة، سوف تعمّق فكرة الانتماء المناطقيّ أكثر، وسوف تمضي بنا إلى مزيدٍ من الابتعاد عن فكرة المواطنة، وبالتالي الابتعاد أكثر وأكثر، عن فكرة الدولة!!..
-ملاحظة:
-تصوّروا لو أنّ أبناء واشنطن، وبعد الهجوم على “الكونغرس”، طلبوا من أبناء نيويورك أو هاواي أو جورجيا أو نيفادا، بأن يبقوا بعيدين عن موضوع الهجوم، بذريعة أنّ أبناء واشنطن هم أصحاب الشأن، بسبب وقوع الحادث على أراضيهم!!!..
لهذا فنحن نعتقد، أنّ القصر العدليّ بدرعا، هو ملكٌ لأبناء سوريّة، وليس ملكاً لأبناء محافظة درعا، وأنّ الميناء السوريّ في مدينة اللاذقيّة، هو ملكٌ لأبناء سوريّة، وليس مُلكاً لأبناء اللاذقيّة، وأنّ مبنى المحافظة في مدينة السويداء، هو ملكٌ لأبناء سوريّة، وليس ملكاً لأبناء السويداء، وكذلك بالنسبة لكلّ المباني والمرافق العامة والمصانع والمعامل والجامعات..الخ، في كلّ أراضي الدولة، وأيّ اعتداء عليها هو اعتداءٌ على أبناء سوريّة جميعاً!!..
خالد العبّود..